فصل: قال الصابوني:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ففي هذه الآية أمور:
أولا: أن الحرّة محصنة، سواء أكانت متزوجة أم غير متزوجة، وأن الأمة إنما تحصن بالزواج.
ثانيا: في زواج الأمة تكريم لها، ورفع لخسّتها، ونقلها من مرتبة الحيوان المملوك، إلى درجة المرأة الحرة.. حيث ينشىء لها الزواج حقوقا، ويفرض عليها واجبات، وقد كانت قبل الزواج مطلقة، لا حقوق لها، ولا واجبات عليها.
ثالثا: أن الأمة إذا تزوجت ثم زنت، وثبتت عليها الجريمة، أقيم عليها الحدّ، وهو نصف ما على المحصنات من العذاب، فتجلد خمسين جلدة.
رابعا: أشارت الآية إلى أن زواج الأمة لا يكون إلا بإذن مالكها وعن رضاه، فليس لها والحال كذلك، أن تزوج نفسها إذا رغبت في الزواج، وأرادت التحصن به.. فإن أبى عليها مالكها أن تتزوج، لم يكن أمامها إلا أن تعرض نفسها للرجال.. وهذا هو البغاء الذي أكرهها مالكها عليه بوقوفه في وجه الزواج الذي تتحصن به وتعفّ عن الفاحشة.
هذا، هو ما رأينا واللّه سبحانه وتعالى أعلم. {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ}.
هذه الآية هي ختام لآيات الأحكام، التي جاءت بها السورة من قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} إلى قوله تعالى: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا}.
وهى في هذا أشبه بالبدء الذي بدئت به السورة، في قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.
فبدء السورة كان إعلانا بنزول آيات بينات، تلى هذا الإعلان، وتجىء بعده.
وقد نزلت هذه الآيات البينات، متضمنة تلك الأحكام الخاصة بحرمات الفروج. وحين انتهت الآيات من بيان هذه الأحكام، جاء قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ}.. ليذكّر بتحقيق هذا الخبر الذي أعلنته السورة في أول آية منها، وليلفت الأنظار إلى أن هذه الآيات، هي الآيات البينات، التي أشارت إليها الآية الأولى من السورة.. فليتحققوا من هذا الوصف، وليطلبوه منها، وليكون لهم منه عبرة وموعظة.
وفى وصف الآيات في أول السورة بأنها «آياتٍ بَيِّناتٍ» ووصفها هنا بأنها «آياتٍ مُبَيِّناتٍ» ما يحقق وصفين لهذه الآيات فهى آيات بينات واضحات مشرقات في ذاتها.. سواء نظر إليها الناظرون، أو لم ينظروا.. ثم هي مبينات، تكشف لمن ينظر فيها طريق الحقّ والهدى.
وقدّم وصفها بالبيّنات على وصفها بالمبينات.. لأنها في أول الأمر لم تكن بين يدى الناس، ولم ينظروا فيها بعد.. فكان وصفها بالبينات وصفا ذاتيا لها، دون نظر إلى اتصال الناس بها.. فلما نزلت، واتصل الناس بها كانت مبينة لهم الحق من الباطل، والهدى من الضلال.
وقوله تعالى: {وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} معطوف على قوله تعالى: {آياتٍ مُبَيِّناتٍ} أي وأنزلنا إليكم في هذه الآيات مثلا من الذين خلوا من قبلكم.
وهذا المثل الذي جاءت به الآيات هنا مشابها ومماثلا لمثل آخر وقع في الأزمنة الخالية- هذا المثل هو حديث الإفك، الذي رميت به السيدة عائشة رضي الله عنها- ومثله في الذين خلوا من قبل، هو ما وقع لمريم- عليها السلام لما لقيها به أهلها من اتهام، حين جاءت إليهم بوليدها تحمله.. وقد برأ اللّه مريم في آيات بينات من كتابه الكريم، كما قال سبحانه وتعالى في اليهود: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا} (156: النساء) فقد وصف اللّه سبحانه وتعالى قولهم في مريم بأنه بهتان عظيم، كما وصف سبحانه ما رميت به السيدة عائشة، بأنه بهتان عظيم، وذلك في قوله سبحانه: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ}.
وكفى السيدة عائشة رضي الله عنها- قدرا وشرفا أن تكون مثلا مناظرا للسيدة مريم، عفة وطهارة، وأن تشاركها هذا الوصف الذي وصفت به في قوله تعالى: {يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ} (42: آل عمران). اهـ.

.قال الصابوني:

{وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)}.
الترغيب في الزواج والتحذير من البغاء:

.التحليل اللفظي:

{الأيامى}: جمع أيّم وهو من لا زوج له رجلًا كان أو امرأة، ذكرًا أو أنثى قال في لسان العرب: الأيامى: الذين لا أزواج لهم من الرجال أو النساء، وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «الأيمّ أحقّ بنفسها» فهذه الثيب لا غير، وكذا قول الشاعر:
لا تنكحنَّ الدهر ما عشتَ أيما ** مجرّبة قد مُلّ منها وملّت

وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الأيمة وهي طول الغُزْبة، وأنشد ابن بري:
لقد إمت حتى لامني كل صاحب ** رجاء بسلمى أن تئيم كما إمت

وآمت المرأة: إذا مات عنها زوجها. ومنه قول علي مات قيّمها وطال تأيّمها وفي التنزيل: {وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ} أدخل فيه الذكر والأنثى والبكر والثيب.
{عِبَادِكُمْ}: بمعنى العبيد وقرأ مجاهد من عبيدكم وأكثر استعماله في الأرقاء والمماليك وإذا أضيف إلى الله فيراد منه الخلائق قال تعالى: {قُلْ يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ} [الزمر: 53] الآية.
{واسع}: ذو غنى وسعة يبسط الرزق لمن يشاء من عباده وهوالغني الحميد.
{عَلِيمٌ}: عالم بحاجات الناس ومصالحهم فيجري عليهم من الرزق ما قسم لهم.
{وَلْيَسْتَعْفِفِ}: أمر من العفة واستعفف وزنه: استفعل ومعناه: طلب أن يكون عفيفًا، قال في لسان العرب العفة: الكف عما لا يحل ويجمل، يقال عفّ عن المحارم يعِفُّ عفة وعفافًا وامرأة عفيفة أي عفيفة الفرج، وفي الحديث: «من يستعفف يعفه الله» وقيل الاستعفاف الصبر والنزاهة عن الشيء.
ومن دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى».
{الكتاب}: قال الزمخشري: الكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة، وهي أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على ألف درهم فإن أداها عتق، والمكاتبة مفاعلة لا تكون إلا بين اثنين لأنها معاقدة بين السيد وعبده فالكتاب في الآية مصدر كالقتال والجلاد والدفاع، والمكاتبة هيَ: العقد الذي يجري بين السيد وعبده على أن يدفع له شيئًا من المال مقابل عتقه وسمي مكاتبة لأن العادة جارية بكتابته لأن المال فيه مؤجل، وهي لفظة إسلامية لا تعرفها الجاهلية نبه عليه العلاّمة ابن حجر.
{خَيْرًا}: لفظ الخير يطلق على المال {إِن تَرَكَ خَيْرًا الوصية لِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: 180] وقوله: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8] أي لحب المال، ويطلق على فعل الصالحات وقد فسره بعضهم بالمال وهو ضعيف، والصحيحُ أن المراد به: الصلاح والأمانة والوفاء، والمعنى: إن علمتم فيهم القدرة على الكسب والوفاء والأمانة فكاتبوهم على تحرير أنفسهم.
قال الطحاوي: وقول من قال إن المراد به المال لا يصح، لأن العبد مال لمولاه فكيف يكون له مال؟ وانكر بعضهم ذلك من حيث اللغة فقال: لا يقال علمت فيه المال، وإنما يقال علمت عنده المال.
والأصح أن المراد بالخير الأمانة والقدرة على الكسب وبه فسره الشافعي كما مر معنا.
{فتياتكم}: المراد به المملوكات من الإماء وهو جمع فتاة، قال الألوسي وكل من الفتى والفتاة كناية مشهورة عن العبد والأمة.
وفي الحديث: «لا يقولنّ أحدكم عبدي وأمتي ولكن فتاي وفتاتي» وكأنه صلى الله عليه وسلم كره العبودية لغير الله عز وجل وعلّم السادة أن يتلطفوا عند مخاطبة العبيد.
{البغاء}: مصدر بغت المرأة تَبْغي بغاءً إذا زنت وفجرت، وهو مختص بزنى النساء فلا يقال للرجل إذا زنى: إنه بغى قاله الأزهري.
والجمع بغايا، والمراد بالآية إكراه الإماء على الزنى، وفي الحديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي.
{تَحَصُّنًا}: أي تعففًا ومنه المُحْصنة بمعنى العفيفة وقد تقدم.
{عَرَضَ الحياوة}: أي متاع الحياة الدنيا وسمي عرضًا لأنه يعرض للإنسان ثم يزول، فهو متاع سريع الزوال وشيك الاضمحلال {وَمَا الحياوة الدنيآ إِلاَّ مَتَاعُ الغرور} [الحديد: 20].
{آيات مبينات}: أي آيات واضحات، وحكم باهرات، ودلائل ظاهرة، تدل على حكمة الله العلي الكبير، قال الزمخشري: هي الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت معاني الأحكام والحدود.

.المعنى الإجمالي:

يأمر المولى تبارك وتعالى بتزويج الشباب وتحصين الأحرار من الرجال، فيقول تعالى ذكره ما معناه: زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم، ومن أهل الصلاح والتقى من عبيدكم ومواليكم، إن يكن هؤلاء الذين تزوجونهم أهل فاقة وفقر، فإن الله تعالى يغنيهم من فضله، فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم. فالله واسع الفضل، جواد كريم، يعطي الرزق من يشاء من عباده، ولا تخفى عليه خافية من شؤونهم وأحوالهم.
ثم يأمر تعالى الشباب الذين لا تتيسر لهم سُبل الزواج- لأسباب مادية أو عقبات اجتماعية- بالعفة عن الفواحش والابتعاد عما حرم الله، حتى يوسّع الله عليهم، ويسهل لهم أمر الزواج. فإن العبد إذا اتقى الله جعل له من أمره فرجًا ومخرجًا {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4] كما أمر السادة بمكاتبة العبيد الأرقاء، الذين يريدون أن يتحرروا من رق العبودية فقد أرشدهم أن يقبلوا منهم فكاك أنفسهم بما يدفعونه من مال، ونهاهم أن يُكْرهوا فتياتهم الإماء على البغاء، كما كان يفعل أهل الجاهلية، ليحصُلوا من وراء ذلك على الثروة الطائلة، ويجمعوا حُطَام هذه الحياة الزائل، ويتمعوا عن طريق- الفحش والرذيلة- بعرض الدنيا، ثم حذر تعالى الظالمين المعتدين المُكْرهين للفتيات بالعذاب الأليم، وأنه سينتقم منهم ويعفو ويغفر للمُكْرَهات على الزنى، لأنه لاإرادة لهن ولا اختيار، وإثمهن على من أكرههن.
ثم ختم تعالى هذه الآيات الكريمة بأنه قد أنزل على عباده آياتٍ واضحات وأحكامًا وحدودًا مفصَّلات، ليسيروا عليها، فيها خيرهم وسعادتهم، وتَرَكهم على المحجَّة البيضاء، وضرب لهم الأمثال ليتعظوا ويعتبروا بمن سبقهم من الأمم.
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117].

.سبب النزول:

أولًا: روى السيوطي عن عبد الله بن صبيح عن أبيه قال: كنت مملوكًا لحويطب بن عبد العزى، فسألته الكتاب فأبى فأنزل الله {والذين يَبْتَغُونَ الكتاب مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم فَكَاتِبُوهُمْ} [النور: 33]. الآية.
قال القرطبي: بعد أن ذكر القصة: فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارًا فأداها، وقتل بحنين في الحرب.
ثانيًا: وروى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مُسَيْكة وأخرى يقال لها أمَيْمة وكان يريدهما على الزنى فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغاء} الآية.
وروي أن عبد الله بن أبيّ بن سلول كان يكرههما على الزنى ويضربهما فقالت إحداهما: إن كان خيرًا فقد استكثرنا منه، وإن كان شرًا فقد آن لنا أن ندعه فنزلت الآية.
ثالثًا: وروى ابن جرير عن مجاهد أنه قال: كانوا يأمرون ولائدهم يباغين يفعلن ذلك فيصبن فيأتينهم بكسبهن فكانت لعبد الله بن أبيّ سلول جارية فكانت تباغي فكرهت وحلفت ألا تفعله فأكرهها أهلها فانطلقت فباغت ببرد أخضر فأتتهم به فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغاء} الآية.
وقال مقاتل: إنها نزلت في ست جوار كنّ لعبد الله بن أبيّ معاذة، ومسيكة، وأميمة، وقتيلة، وعمرة، وأروي فكان يأمرهن بالزنى ليستدرّ من ورائهن المال. فنزلت الآية الكريمة، وكل الروايات ذكرت أن الذي كان يكرههنَّ هو عبد الله بن أُبَيّ بن سلول رأس المنافقين.